[ تقسيم أصول العقائد إلى ثلاثة أقسام عند السادة الأشاعرة ]
تقسيم أصول العقائد إلى ثلاثة أقسام عند السادة الأشاعرة.
تقسيم أصول العقيدة بحسب العلم والإدراك والاستدلال على ثبوتها إلى ثلاثة أقسام من المقررات عند الأشاعرة، وقد ذكره إمام الحرمين في "الإرشاد"، وبينه بيانا وافيا لا يصح لمن يفهم كلامه أن يرتاب في صحة هذا التقسيم فضلا عن أن ينتقده أو ينكره!
وأنقل كلام إمام الحرمين بنصه، ثم أعقبه بتوضيح له
قال إمام الحرمين: (إعلموا -وفقكم الله تعالى- أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلا ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعا، وإلى ما يدرك سمعا ولا يتقدر إدراكه عقلا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعا وعقلا.
فأما ما لا يدرك إلا عقلا فكل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام الله تعالى ووجوب اتصافه بكونه صادقا، إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى؛ وما يسبق ثبوتهُ في الترتيب ثبوتَ الكلام وجوبا فيستحيل أن يكون مدركه السمع.
وأما ما لا يدرك إلا سمعا فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع، ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف وقضاياها من التحسين والتقبيح والإيجاب والحظر والندب والإباحة.
وأما ما يجوز ادراكه سمعا وعقلا فهو الذي تدل عليه شواهد العقول، ويتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدما عليه. فهذا القسم يتوصل إلى دركه بالسمع والعقل. ونظير هذا القسم اثبات جواز الرؤية، واثبات استبداد الباري تعالى بالخلق والإختراع، وما ضاهاهما مما يندرج تحت الضبط الذي ذكرناه. فأما كونُ الرؤية ووقوعُها فطريقُ ثبوتِها الوعدُ الصدقُ والقولُ الحقُ) هذا كلام إمام الحرمين.[1][1]
وإيضاحا له أقول: السمع هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. والقرآن لا يثبت كونه كلام الله تعالىوكونه حجة على الناس إلا بعد ثبوت وجود الله تعالى وثبوت اتصافه بالحياة والعلم والإرادة والقدرة، لأن الكلام لايقوم إلابمن اتصف بهذه الصفات، وكذلك بعد ثبوت صدق الرسول المخبر بأن القرآن كلام الله تعالى في دعواه النبوة بالدلائل الدالة على صدقه في دعواه هذه، والسنة لا يثبت كونها حجة على الناس فيما احتوت عليه من الأحكام إلا بعد ثبوت صدق الرسول في دعواه النبوة، فكون القرآن كلام الله تعالى وكونه حجة على الناس، وكون سنة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حجة على الناس كل منهما متوقف على ما ذكرناه، فلو حاولنا الاستدلال على شيء مما يتوقف عليه حجية الكتاب والسنة بالكتاب والسنة يلزم الدور. وهو توقف الشيء على ما يتوقف عليه ذلك الشيء، المستلزم لتقدم الشيء على نفسه. وهل يقدم عاقل على الاستدلال على وجود الله واتصافه بتلك الصفات، وعلى صدق الرسول في دعواه الرسالة على من لا يعترف بذلك، بالكتاب والسنة، وإذا حاول بعض الناس الاستدلال بهذا الطريق على الخصم المذكور فماذا عسى أن يكون موقف هذا الخصم من هذا المستدل؟ ألا يحكم عليهبالحماقة والسذاجة وبالجهل بطرق الاستدلال؟
فمعنى أن مدرك هذه العقائد هو العقل فقط أنه لا يصح الاستدلال على ثبوتها على من لا يعترف بها إلا بالعقل، وليس معناه أن الشرع لا يدل على ثبوتهاولا أنها مأخوذة من العقل ومتلقاة منه دون الشرع.
وأما المؤمن فلا يكون مؤمنا إلا باعتقادها. نعم يكون توارد الادلة السمعية على ما اعتقده مقويا لاعتقاده.
نعم إن كان المؤمن مقلدا في اعتقاده هذا فيصح الإستدلال عليها بالسمع بالنسبة إليه لاستناد ثبوت السمع عنده إلى صدق الرسول المؤيد بالمعجزات، فلا يكون ادراكها حينئذ بالسمع المجرد، وكلام الأشاعرة فيه: بل يكون ادراكها بالسمع مع الإستناد إلى العقل وهي الدلائل العقلية الدالة على صدق الرسول في دعواه الرسالة.
وأما وجوب اعتقاد هذه العقائدفإنما يثبت عند الأشاعرة بالسمع لا بالعقل، لأنه لا حكم عندهم للعقل بشيء من الأحكام الشرعية -ومنه وجوب اعتقاد هذه العقائد- قبل ورود الشرع، فوجوب اعتقاد هذه الأمور أمر، وادراكها أي معرفتهاوالإستدلال عليهاأمر آخر. فالأوللا يتحقق ولايدركعند الأشاعرةإلا بالشرع، والثاني لا يكونبالنسبة إلى غير المؤمن بالشرعإلا بالعقل. فإذا ورد الشرع وبلغت الدعوة إلى المكلف فقد استقرت عليه كل الواجبات وثبتت التكاليف، ومنها هذه العقائد، فقد وجب عليه شرعا أن يدرك هذه العقائد بالعقل ويعتقدها، فوجوب اعتقاد هذه العقائد شرعي، وأما ادراكها ومعرفتها فطريقه العقل، لأن الشرع وإن كان قد ثبت عليه ببلوغ الدعوة، لكنه لم يثبت عنده بعد، فلا يصح له أن يستدل لنفسه، ولا أن يستدل غيره عليه لإثبات هذه العقائد بالشرع، لأن الدليل لابد أن يكون من المسلمات ، والشرع لم يثبت عنده بعد. وإن كان قد ثبت عليه.
فالواجب على المكلف عند بلوغ الدعوة إليه أن يستدل على هذه العقائد بالعقل، إما بأن يستدل على كل واحد منها بدليل عقلي يثبتها، أو يكتفي بالدليل العقلي الدال على صدق الرسول في دعواه الرسالة، فإنه بهذا الدليل يثبت صدقه في هذه الدعوى، ويثبت صحة كل ما أخبربه عن الله تعالى، ومنها هذه العقائد، فالدليل على ثبوت هذه العقائد في هذه الصورة يكون أيضا عقليا، وهو دليل صدق الرسول في دعواه.
ومن أجل ذلك كان طريقة القرآن عند ما يخبر عن هذه العقائد أن يستدل عليها بالدلائل العقلية، فالإخبار بها يؤخذ منه حكم شرعي بوجوب اعتقادها، وأما إدراكها ومعرفتها، وإذعان العقل لها فيكون عن طريق هذه الدلائل العقلية التي أوردها القرآن استدلالا على ثبوتها.
وأما عند المعتزلة وجمهور الماتريدية: فوجوب اعتقاد هذه العقائد ثابت بالعقل قبل ورود الشرع بها، وقبل بلوغ الدعوة إلى المكلف. والخلاف هنا مبني على الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين، فالمعتزلة ذهبوا إلى أن أفعال المكلف مشتملة على صفة من الحسن والقبح توجب ورود الحكم الشرعي على حسبها في الأصول والفروع قبل مجئ الشرع، والعقل قد يدرك صفة الحسن والقبح من الفعل، فيدرك عندها الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة من الوجوب والندب والحظر والكراهة؛ وقد لا يدرك العقل ذلك فيتوقف عن الحكم حتى يرد الشرع به. فالشرع عندهم مؤيد فيما أدركه العقل من الأحكام، ومبين فيما لا يدركه منها.
والأشاعرة: نفوا صفة الحسن والقبح عن الفعل قبل ورود الشرع رأسا، وقالوا: لا حَسَنَ إلا ما ورد الشرع بحسنه، ولا قبيح إلا ما ورد الشرع بقبحه، ومن أجل ذلك نفوا أن يكون لله تعالى حكم في فعل من أفعال المكلف قبل ورود الشرع لا في الأصول ولا في الفروع.
وأما الماتريدية فتوسطوا بين المذهبين، فاثبتوا للفعل أصل صفة الحسن والقبح، المقتضيين لورود الشرع بحسبهما عند وروده، وأما قبل ورود الشرع فلم يثبتوا الحكم الشرعي في الفروع، واختلفوا في ثبوته في الأصول التى مدركها العقل دون الشرع، فاثبته معظمهم فيها، ولم يثبته الآخرون.
وأما العقائد التى لا يتوقف ثبوت السمع من الكتاب والسنة على ثبوتها مما يجوز للعقل أن يدركها ورد الشرع بها أم لم يرد. وذلك كجواز رؤية الله تعالى، واستبداد الله تعالى بالخلق والاختراع، فيصح الإستدلال عليها بالعقل والشرع، فتستدل عليها بالعقل فقط على غير المؤمن بالشرع ، وبالشرع والعقل معا على المؤمن بالشرع، وأما نفس رؤية الله فلا تثبت إلا بالشرع.
وأما الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو وضعية فلا سبيل إلى إدراكها عند الأشاعرة إلا الشرع، ولا يستقل العقل بإدراك شيء منها قبل ورود الشرع. وقالت المعتزلة: قد يستقل العقل بإدراكها في الأصول والفروع، وقال جمهور الماتريدية: يستقل العقل بإدراكها في الأصول دون الفروع.