الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على سيد الأولياء وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين.. أما بعد:
فإن من عقائد أهل السنة والجماعة الإيمان بالكرامات، والإقرار بوجودها خلافاً لبعض الفرق المبتدعة كالمعتزلة ومن على شاكلتهم، وقد ظهر في الواقع فريقان:
الفريق الأول: يبالغ في نفي الكرامات، ويجحد وجودها، ويحاول عبثاً أن يصرف القلوب عن الإيمان بها، تحت شعار العَقْلنة تارة، وتحت شعار التشنيع على الصوفية تارة أخرى، ونرى هذا الفريق يلهج عند النقاش بعين شبهات المعتزلة، وقد وقع في حِبَال هذا الفريق جمعٌ ممن يؤمنون بالكرامات في باب التنظير، ويجحدون وجودها واقعاً.
الفريق الثاني: يبالغ في إثبات الكرامات، ويطلق إطلاقات تكتنفها جملةٌ من المحذورات، بل قد يجعلون من بعض القبائح والفواحش كرامات، أو يبنون على ظهور الكرامات على يد بعض الصالحين خرافات ما أنزل الله بها من سلطان كدعوى أن فلاناً معصوم، أو أنه قد سقطت عنه التكاليف، ونحو ذلك من الغلو.
ولذا فكان لا بد من كشف غطاء هذه المسألة، وبيان حقيقتها عند أهل السنة الذين هم أهل الإنصاف والعدل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وسأتناول في هذا البحث جملة من القضايا، كتعريف الكرامة، وضوابطها، ومبلغ أمرها، والولي، وذكر بعض ما ثبت في الباب من الكرامات، فنسأل الله أن يجعل عملنا لله خالصاً، وللصواب موافقاً.
الفصل الأول : في تعريف الكرامات:
الكرامة: هي أمر خارق للعادة، مقرون بالمعرفة والطاعة، خال عن دعوى النبوة.
فما معنى قولنا (خارق للعادة) ؟
وللجواب عن هذا السؤال لا بد من معرفة معنى (عادة)، ومعنى(خارق) .
فالعادة هي: ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة.
قال العلامة مرتضى الزبيدي في تاج العروس: قال جماعةٌ: العادةُ تكريرُ الشيءِ دائِماً أَو غالباً على نَهجٍ واحدٍ بلا علاقةٍ عَقْلِيّة.
وقيل: ما يستَقِرُّ في النُّفوسِ من الأُمور المتكرِّرَة المَعْقُولةِ عند الطِّباع السَّلِيمة.اهـ
والحكم قد يكون عقلياً، وقد يكون عادياً، والكرامة تتعلق بخرق الحكم العادي لا العقلي.
فالحكم العقلي: كامتناع اجتماع السواد والبياض في مكان واحد، فالعقل يحكم باستحالة اجتماعهما.
والحكم العادي: كالطيران في الهواء بدون آلة، فالعادة تحكم بامتناع ذلك، ولكن العقل لا يمنع ذلك بل يجوزه.
والخارق هو: حدوث أمر على خلاف العادة المستقرة.
تنبيه مهم: ما يستدل به أهل السنة على الإيمان بالكرامات ليس دليلاً على آحادها، وإنما هو دليل على أصلها، وعليه فيكون مشي العلاء الحضرمي t على الماء، دليلاً على جواز الطيران في الهواء، لأن كلاً منهما خرق للعادة.
ويكون دخول أبي مسلم الخولاني / في النار دون أن تضره، دليلاً على جواز أن يَصُبَّ صالحٌ على عدو الله الماء فيحترق، فتعمل النار عمل الماء، ويعمل الماء عمل النار، لأن كلاً منهما خرقاً للعادة، وعلى هذا فقس.
وعليه فلا يشترط في كل كرامة يخرق الله تعالى فيها عادة لولي أن يدل عليها دليل صحيح، لأن الإيمان بالكرامات أصلٌ ثابت عند أهل السنة، دلَّتْ عليه الأدلة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله r، فما ورد من الكرامات على يد فلانٍ الذي ثبت صلاحه، وصحت نسبة الكرامة إليه، فإننا نؤمن بذلك ولو لم يرد على ذلك النوع من الكرامات دليل خاص.
أمثلة على ذلك:
1) النار: العادة أنها محرقة، وهذا الذي عهدناه من حالها، وقد يخرق الله تعالى هذه العادة، فتكون النار غرفة مكيفة باردة كما حدث لنبي الله إبراهيم r ، وكما وقع لأبي مسلم الخولاني.
2) الماء: العادة أنه مائع، فإذا وضعتَ قدمك عليه غاصت، وقد يخرق الله هذه العادة لعبد من عباده الصالحين فيكون الماء كاليابس من غير تثلُّج، كما وقع للصحابي العلاء الحضرمي حين مرَّ t بجيشه فوق البحر على خيولهم فما ابتلت سروج خيولهم.
3) ما في النفوس: العادة أن ما في النفوس لا يعلمه إلا الله، ولكن قد يخرق الله تعالى هذه العادة لبعض عباده الصالحين، فيعلم ما في نفسِ مَنْ أمامَهُ، كما وقع ذلك لابن القيم مع شيخه ابن تيمية رحمهما الله، قال ابن القيم في مدارج السالكين: وأخبرني غير مرة بأمور باطنةٍ تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.اهـ
4) معرفة ما يكون في المستقبل: العادة أنه لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولكن قد يخرق الله تعالى هذه العادة لبعض عباده الصالحين، كما ذكر ذلك الإمام ابن خليكان في كتابه (وفيات الأعيان) أن الإمام الشافعي / عند وفاته دخل عليه الربيع المرادي والبويطي والمزني وابن عبد الحكم يقول الربيع: فنظر إلينا ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب - يعني البويطي - فتموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فستكون لك في مصر هنات وهنات، ولتدركن زماناً تكون فيه أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد - يعني ابن عبد الحكم - فترجع إلى مذهب مالك، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فلما مات الشافعي t صار كل واحد منهم إلى ما قاله، حتى كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وسيأتي كلام الإمام ابن تيمية في هذا.
5) الموتى: العادة أن الموتى لا يعودون في هذه الدنيا من جديد، ولكن قد يخرق الله تعالى هذه العادة لبعض عباده فيحيي الله تعالى على أيديهم الموتى، وانظر الفصل الخامس في هذه المسألة على الخصوص.
وقولنا في تعريف الكرامة: (مقرون بالمعرفة والطاعة) ليعلم أن الكرامة هي ما يكرم الله تعالى به أولياءه الصالحين، وخرج بهذا القيد أمور:
المعجزة: فإنها أمر خارق للعادة، يظهر على يد من يدعي النبوة بصدق، وبهذا تفارق الكرامة حيث يقر صاحبها بالمتابعة، فإن الولي يخرج بدعوى النبوة عن الإسلام فضلاً عن الولاية.
والإرهاص: وهو أمر خارق للعادة، يظهر على يد نبي قبل بعثته، كتظليل السحاب لنبينا محمد r .
والإعانة: وهي أمر خارق للعادة يكرم الله بها عموم المؤمنين.
والاستدراج: وهو أمر خارق للعادة، يظهر على يد فاسق، مدعٍ للألوهية، كما يظهر على يد المسيح الدجال.
والإهانة: وهي أمر خارق للعادة، يظهر على يد كاذب مدعٍ للنبوة، بخلاف مطلوبه، كما وقع لمسيلمة الكذاب لما أتته امرأة بصبي فمسح رأسه فتصلع وبقي الصلع في نسله، وتَفَلَ في بئر قوم سألوه ذلك تبركاً فملح ماؤها، ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه، وأتته امرأة من بني حنيفة، تكنى بأم الهيثم، فقالت: إنَّ نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ولنخلنا، كما دعا محمد لأهل هزمان، فدعا بسجل، ودعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار، ثم سقوه نخلهم، فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم.
تنبيه مهم جداً: مما لا يخفى على جاهلٍ فضلا عن عالم أن خالق الأشياء كلها هو الله تعالى، وأن من اعتقد أن غير الله تعالى يمكنه أن يفعل في هذا الكون شيئاً ولو حقيراً بدون إذن الله وخلقه وتقديره فقد مَرَقَ من الدين وخلع رِبْقَةَ الإسلام.
إذا فُهِمَ هذا: فاعلم أنَّ الفعل قد ينسب تارة إلى خالقه وموجده، وتارة إلى المتسبب فيه، مثال ذلك:
نسبَ الله التوفِّي على الحقيقة إلى ذاته فقال سبحانه: [اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] {الزُّمر:42} .
ونسبه مجازاً إلى السبب فقال سبحانه: [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ] {السجدة:11} .
ومتى نسب المؤمن الصادق الموحِّد الأمر إلى نفسه، فمعلوم قطعاً أنه يريد أن الله تعالى هو من يجري ذلك على يديه، وقد أخبرنا الله في كتابه على لسان من عنده علم من الكتاب أنه قال: [قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ] {النمل:40} ، والشاهد في الآية قوله: [أَنَا آَتِيكَ بِهِ] ، فنسب الفعل إلى نفسه، ومعلوم أن إحضار عرش بلقيس من ذلك المكان البعيد، وفي تلك المدة القصيرة جداً من المحال في حكم العادة، وأن وقوع ذلك هو خرق للعادة.
فلو قال قائل: ( فلان الولي أحيا ميتاً) فالمقصود أن الله تعالى أجرى ذلك على يده، ويكون هذا من باب نسبة الفعل إلى السبب، والتشنيع على قائل هذه العبارة غفلةٌ عن الحقائق السابقة، وبُعْدٌ عن الإنصاف والعدل، وليكن على ذهنك قول ابن تيمية / في النبوات (ص218): لا ريب أن الله خص الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أن من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء ... بخلاف إحياء الموتى، فانه اشترك فيه كثير من الأنبياء بل ومن الصالحين.اهـ وانطر كلام ابن تيمية / بتمامه في الفصل السابع.
وإذا كنا لا نستشنع أن يقول القائل: (أنا أعطيت فلانا مالاً)، وكان هذا في المعتاد، فكيف يستنكر إذا كان في غير المعتاد، والفاعل في الجميع هو الله تعالى.
الفصل الثاني : في تعريف الولي:
الولي هو العارف بالله، المواظب على الطاعات والمجتنب للسيئات، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، المُدْبِر عن الدنيا، المُقْبل على العقبى، المديم على ذكر المولى.
قال الإمام القشيري في رسالته:(الولي من توالت طاعاته من غير تخلل معصية).
وقال الإمام الرازي في تفسيره الكبير:المقدمة الأولى: في بيان أن الولي ما هو ؟
فنقول ههنا وجهان:
الأول:أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل، كالعليم والقدير، فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
الثاني:أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على التوالي عن كل أنواع المعاصي، ويديم توفيقه على الطاعات، واعلم أن هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى: [اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا] {البقرة:257} [وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ] {الأعراف:196}،[أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ] {البقرة:286}،[ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ] {محمد:11}، [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ] {المائدة:55}، وأقول: الولي هو القريب في اللغة، فإذا كان العبد قريباً من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريباً منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية.انتهى
وقد ذكر بعض أهل العلم أن للولي أربعة شروط:
أحدها: أن يكون صحيح الاعتقاد، بعيداً عن البدع.
الثاني: أن يكون عالماً بأحكام الشريعة ليتيسر له تمييز الحلال عن الحرام، والواجبات عن المنهيات، ليتيسر له الامتثال.
الثالث: أن يتخلق بالخلق المحمود الذي يدل عليه الشرع والعقل.
الرابع: أن يلازم الخوف.
الفصل الثالث: الإيمان بالكرامات من عقيدة أهل السنة:
جوَّز أهل السنة أعلا الله مقامهم خرق العوائد، واصطلحوا على تسميتها في حق الأنبياء (معجزات) وفي حق الأولياء (كرامات)، فالإيمان بالكرامات من معتقد أهل السنة، وإليك بعض كلامهم في هذا:
·قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته:(وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ).
·وقال الإمام عبد القاهر بن طاهر البغداديرحمه الله تعالى في الفرق بين الفرق، وهو يحكي عقيدة أهل السنة والجماعة (ص334):
وقالوا – أي: أهل السنة - يجوز ظهور الكرامات على الأولياء، وجعلوها دلالةً على الصدق في أحوالهم، كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم، وقالوا على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامات لا يتحدى بها غيره، وربما كتمها، وصاحب المعجزة مأمون العاقبة، وصاحب الكرامة لا يأمنُ تغيير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته،وأنكرت القدرية كرامات الأولياء، لأنهم لم يجدوا من فرقهم ذا كرامة.اهـ
·وقال الإمام الحافظ الفقيه يحيى بن شرف النوويفي شرح صحيح مسلم عند شرح حديث جريج، وهو يعدد الفوائد من هذا الحديث (16/108): ومنها إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنة خلافاً للمعتزلة.اهـ
·وقال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد في علم الكلام (2/204): وظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء،وإنكارها ليس بعجيب من أهل البدع والأهواء، إذْ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط، ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون أنهم على شيء، مع اجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات، فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات، يمزقون أديمهم، ويمضغون لحومهم، لا يسمونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة، ولا يعدونهم إلا في عداد آحاد المبتدعة، قاعدين تحت المثل السائر أوسعتهم سبَّاً وأودوا بالإبل، ولم يعرفوا أنَّ مبنى هذا الأمر على صفاء العقيدة، ونقاء السريرة، واقتفاء الطريقة، واصطفاء الحقيقة.اهـ
·وقال الإمام القرطبي في تفسيره:كرامات الاولياء ثابتة، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة، والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد، أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء على ما تقدم، وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت... ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار... وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات، فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة t.. - وذكر حديث خبيب وأنه كان يأكل العنب وهو أسير وما بمكة من عنب، وإنما هو رزق ساقه الله إليه.
·وقال الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (3/156) : وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ كَالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الْأُمَّةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.اهـ
الدليل الثاني:قصة أصحاب الكهف الذين ذكر الله شأنهم فقال: [أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا] {الكهف:9} إلى آخر الآيات في شأن أهل الكهف.
وقد أطال الإمام الرازي / الكلام عن الكرامات، وحجج أهل السنة النقلية والعقليةفي إثباتها في تفسيره لسورة الكهف، عند ذكر أهل الكهف فتراجع.
وسيأتي في كلام الإمام الشيخ تقي الدين ابن تيمية ذكر طائفة كثيرة من الكرامات الواقعة على يد طائفة من الصحابة والتابعين، مما يؤيد أن إنكار الكرامات إنكار لما هو محسوس متواتر.
هذه الكرامة وإن كانت في الأصل داخلة تحت عموم قاعدة أهل السنة في الإيمان بالكرامات، إلا أنني أفردتها لسببين:
الأول:أنه قد حدث بين أهل السنة أنفسهم الخلاف في هل يمكن أن يجري الله تعالى إحياء الموتى على يد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أم لا ؟
الثاني:أنه قد كثر فيها الكلام، وأصبح كثير من الناس يطعنون في فلان وعلان لأنهم قالوا: بجواز أن يحيى الله ميتاً على يد بعض عباده.
ومن الغريب جداً أن يستدل البعض بقوله تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {الحج:6} ، على أن الإحياء والإماتة من خصائص الله تعالى، فلا يجوز نسبة ذلك إلى غيره،ويغفل هذا المستدل عن أمرين في غاية الأهمية:
الأمر الأول:أن المقصود بنسبة الإحياء والإماتة إلى الله Y النسبة الحقيقية، وأن الآية لا دلالة فيها على امتناع نسبة الإحياء والإماتة على وجه المجاز بالسببية.
الأمر الثاني:أنه قد ثبت في كتاب الله تعالى نسبة الإحياء والإماتة إلى غير الله تعالى، ولا يَرِدُ على ذهنِ أحدٍ من الموحِّدين أن أحداً يملك أن يُميتَ أو يحييا أحداً ولو كان نبياً أو ملكاً.
فأما نسبة الإحياءإلى غير الله ففي قول الله U : [وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ] {آل عمران:49} ، فنسب عيسى ؛ الإحياء إلى نفسه بإذن الله.
وأما نسبة الإماتة ففي قول الله I : [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ] {السجدة:11} ، فنسب الإماتة إلى ملك الموت مجازاً، ونسب ذلك إلى نفسه حقيقة وذلك في قوله تعالى: [اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] {الزُّمر:42} .
وقد أخرج الإمام البيهقي في دلائل النبوة بسنده إلى:أبي سبرة النخعي، قال: «أقبل رجل من اليمن فلما كان في بعض الطريق نفق – أي:مات - حماره، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت من الدثنية مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد علي اليوم منة، أطلب إليك أن تبعث لي حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه».قال الإمام البيهقي: هذا إسناد صحيح، وقد نقل تصحيح البيهقي الإمام ابن كثير في البداية والنهاية مقراً له.
قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع بالكناسة موضع مشهور بالكوفة.
وأخرج الإمام البيهقي في دلائل النبوة قال:أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحافظ، حدثنا أبو الليث سلم بن معاذ التميمي بدمشق، حدثنا أبو حمزة إدريس بن يونس، حدثنا محمد بن يزيد بن سلمة، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عون، عن أنس، قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثاً لو كانوا في بني إسرائيل لما تقاسمتها الأمم، لكان عجبا، قلن: ما هن يا أبا حمزة ؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله r فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة، فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي r وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله، قال: «يا أنس، ائت أمه، فأعلمها»، قال: فأعلمتها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعاً، وخلعت الأوثان زهداً، وهاجرت إليك رغبةً، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما تقضى كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله r ، وحتى هلكت أمه.
ورواه ابن أبي الدنيا في جزء له عنوانه (من عاش بعد الموت)، وقد ذكر في هذا أموراً كثيرة.
وهذا الحديث وإن كان إسناده ركيكاً، فقد صح الحديث الذي قبله، وصح لنا قبل ذلك أصل أهل السنة في الإيمان بالكرامات.
قال الشيخ الإمام ابن تيمية / في النبوات(ص5): أما الصالحون الذين يَدْعُوْنَ إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا، فهؤلاء إذا قُدِّرَ أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء كما صارت النار برداً وسلاماً على أبي مسلمٍ كما صارت على إبراهيم، وكما يكثِّرُ الله الطعام والشراب لكثير من الصالحين، كما جرى في بعض المواطن للنبي r،أو إحياء الله ميِّتاً لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء،وهي أيضا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص، ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قط مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم، ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها، كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم.اهـ
وقال / في النبوات أيضاً (ص218): بخلاف إحياء الموتى، فانه اشترك فيه كثير من الأنبياء بل ومن الصالحين.اهـ وسيأتي هذا النص بتمامه قريباً.
وقال / في كتاب النبوات (ص 298): وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى، فإن هؤلاء يقولون نحن إنما أحيى الله الموتى على أيدينا لاتباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى على أيدينا، فكان إحياء الموتى مستلزماً لتصديقه عيسى ومحمداً، لم يكن قط مع تكذيبهما فصار آية لنبوتهم.اهـ
فيرى الشيخ تقي الدين ابن تيمية / جواز بل ووقوع إحياء الموتى على يد الأولياء.
وقال الإمام المحدث الفقيه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وهو يعدد أنواع الكرامات: إحياء الموتى واستشهد لذلك بقصة أبي عبيد البسري فقد صح أنه غزا ومعه دابة فماتت فسأل الله أن يحييها حتى يرجع إلى بسر، فقامت الدابة تنفض أذنيها فلما فرغ من الغزوة ووصل إلى بسر أمر خادمه أن يأخذ السرج عن الدابة، فلما أخذه سقطت ميتة، والحكايات في هذا الباب كثيرة، ومن أوآخرها أن مفرجا الدمامينى وكان من أولياء الله من أهل الصعيد ذكر أنه أحضرت عنده فراخٌ مشوية فقال لها طيري فطارت أحياء بإذن الله تعالى.
وأن الشيخ الأهدل كانت له هرة ضربها خادمه فماتت فرمى بها في خرابة، فسأل عنها الشيخ بعد ليلتين أو ثلاث فقال الخادم: لا أدري. فقال الشيخ: أما تدري ثم ناداها فجاءت إليه تجري.
وحكاية الشيخ عبد القادر الكيلانى t ووضْعُهُ يدَهُ على عظام دجاجة كان قد أكلها، وقوله لها: قومي بإذن الله الذي يحيى العظام وهى رميم فقامت دجاجةً سويةً، حكاية مشهورة.
وذكروا أن الشيخ أبا يوسف الدهماني مات له صاحب فجزع عليه أهله، فلما رأى الشيخ شدة جزعهم جاء إلى الميت وقال له: قم بإذن الله فقام وعاش بعد ذلك زمنا طويلا.
وحكايةُ زينِ الدين الفارقي الشافعي مدرس الشامية شهيرةٌ، وقد سمعتها من لفظ ولده ولي الله الشيخ فتح الدين يحيى، فحكى لنا ما سنحكيه في ترجمة والده مما حاصله: أنه وقع في داره طفل صغير من سطح فمات فدعى الله فأحياه.
ولا سبيل إلى استقصاء ما يحكى من هذا النوع لكثرته، وأنا أومن به غير أني أقول: لم يثبت عندي أن وليا حيى له ميتٌ مات من أزمان كثيرةٍ بعدما صار عظماً رميماً، ثم عاش بعد ما حيى له زماناً كثيراً، هذا القدر لم يبلغنا، ولا أعتقده وقع لأحد من الأولياء، ولا شك في وقوع مثله للأنبياء عليهم السلام، مثلُ هذا يكون معجزةً ولا تنتهي إليه الكرامة، فيجوز أن يجيء نبي قبل اختتام النبوة بإحياء أمم انقضت قبله بدهور، ثم إذا عاشوا استمروا في قيد الحياة أزمانا، ولا أعتقد الآن أن وليا يحيي لنا الشافعيَ وأبا حنيفة حياة يبقيان معها زماناً طويلاً كما عُمِّرَا قبل الوفاة، بل ولا زمانا قصيرا يخالطان فيه الأحياء كما خالطاهما قبل الوفاة.اهـ
فالإمام تاج الدين السبكي / مع كونه يجوز أن يجري الله تعالى إحياء الموتى على يد بعض الصالحين، إلا أنه منع أن يكون ذلك بحيث يحيى له ميت قد مات من أزمان كثيرة وصار رميماً.
وقال الإمام العلامة ابن حجر الهيتمي / في الفتاوى الحديثية (ص108): كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، خلافا للمخاذيل المعتزلة والزيدية ... ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي القاسم القشيري، ومن ثم قال الزركشي: ما قاله – القشيري - مذهب ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكروه عليه حتى ولدُهُ أبو نصرٍ في كتابه (المرشد) فقال عقب تلك المقالة: والصحيح تجويز جملة خوارق العادات كرامة للأولياء، وكذا في إرشاد إمام الحرمين. وفي شرح مسلم للنووي تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها، وخصها بعضهم بإيجاب الدعوة ونحوها وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ونحوه. انتهى
وقال العلامة الفقيه ملا علي القاري الحنفي في شرح الفقه الأكبر (ص131): ثم ظاهر كلام الإمام الأعظم _ أبي حنيفة – / في هذا المقام موافق لما عليه جمهور العلماء الأعلام من أنّ كل ما جاز أنْ يكون معجزة لنبي جاز أنْ يكون كرامة لولي، لا فارق بينهما إلا التحدي.اهـ
وإذا كان كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، ومعلوم أن إحياء الموتى مما أجراه الله تعالى على يد عيسى ؛ فيجوز أن يكون ذلك على يد الصالحين.
وبعد أن صح لنا أصل أهل السنة في الإيمان بالكرامات، وصح لنا الحديث الذي رواه البيهقي في دلائل النبوة، وما أوردناه عن أهل العلم في تقرير هذه المسألة، بعد أن فعلنا هذا كله نرجو أن ننجو من طعن حاسد أو جاهل، والله تعالى يعلم أنه لولا تقرير الحق ما كتبت هذا، ولا صرفت الوقت لبحث هذه المسألة، وأرجو من إخواني أن يرجعوا البصر كرتين قبل أن يتهموا عباد الله بالكفر والضلال، فإن اتهام الناس في دينهم من أخطر الأمور.
الفصل السابع: ما يصح أن تبلغه الكرامة
وقع الخلاف بين العلماء في مبلغ الكرامة، وهل كلُّ ما كان معجزة لنبي يصح أن يكون كرامة لولي فيجوز أن يكرم الله الولي بأن يفلق له البحر، وتنقلب العصا ثعباناً، ويحي الموتى، إلى غير ذلك من آيات الأنبياء، أم أن كرامات الأولياء تختص بأمور كإجابة الدعاء ونحوه، على قولين:
القول الأول: وإليه ذهب جمهور أهل السنة بأن ما صح أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، إلا ما كان من خصائص النبوة كالقرآن.
قال إمام الحرمين الجويني في الإرشاد (ص267): وصار بعض أصحابنا إلى أنّ ما وقع معجزة لنبي لا يجوز وقوعه كرامة لولي، فيمتنع عند هؤلاء أنْ ينفلق البحر، وتنقلب العصا ثعباناً، ويحي الموتى كرامة لولي إلى غير ذلك من آيات الأنبياء، وهذه الطريقة غير سديدة أيضاً، والمرضي عندنا تجويز جملة الخوارق العوائد في معارض الكرامات. اهـ
وقال أيضاً (ص269): فإنْ قيل: فما الفرق بين الكرامة والمعجزة ؟ قلنا: لا يفترقان في جواز العقل إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة. اهـ
وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (16/108): وفيه – أي: حديث جريج - أن الكرامات قد تكون بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادَّعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، وهذا غلطٌ من قائله، وإنكارٌ للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان وإحضار الشيء من العدم، ونحوه. اهـ
ونَصَرَ هذا القول الإمام أبو نصر القشيري، والإمام المحدث أبو عمر ابن الصلاح وغيرهم. قال الإمام العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الفتاوى الحديثية (ص108):
كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، خلافا للمخاذيل المعتزلة والزيدية، وقول الفخر الرازي: إن أبا إسحاق الإسفراييني أنكرها أيضاً مردود بأنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي كإحياء الموتى، لئلا تختلط الكرامة بالمعجزة، وغلطه النووي كابن الصلاح بأنه ليس في كرماتهم معارضة للنبوة، لأن الولي إنما أعطي ذلك ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان داعيا لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بريئا من كل بدعة وانحراف عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، فببركة اتباعه صلى الله عليه وسلم يؤيده الله تعالى بملائكته وروح منه، ويقذف في قلبه من أنواره.
والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي على يدي وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته. وقد تنزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد بن حُضير الكندي، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلون في صحفة فسبحت الصحفة وما فيها.
ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي القاسم القشيري، ومن ثم قال الزركشي ما قاله – أي: القشيري - مذهب ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكروه عليه حتى ولده أبو نصر في كتابه (المرشد) فقال عقب تلك المقالة: والصحيح تجويز جملة خوارق العادات كرامة للأولياء، وكذا في إرشاد إمام الحرمين. وفي شرح مسلم للنووي تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها، وخصها بعضهم بإيجاب الدعوة ونحوها وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ونحوه. انتهى
وقال العلامة الفقيه ملا علي القاري الحنفي في شرح الفقه الأكبر (ص131): ثم ظاهر كلام الإمام الأعظم _ أبي حنيفة – رحمه الله في هذا المقام موافق لما عليه جمهور العلماء الأعلام من أنّ كل ما جاز أنْ يكون معجزة لنبي جاز أنْ يكون كرامة لولي لا فارق بينهما إلا التحدي. اهـ
القول الثاني: أن كرامات الأولياء لا تبلغ معجزات الأنبياء، وإليه ذهب جمع من العلماء، منهم الإمام القشيري قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته (ص208):
قد تكون الكرامة إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظهور، أو حصول ماء في زمان عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليصاً من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة. واعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء، وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك، فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلب جمادٍ بهيمة أو حيواناً، وأمثال هذا كثير. اهـ
وجوَّز ابن تيمية رحمه الله أن تبلغ كرامات الأولياء إلى حد إحياء الموتى كما سبق النقل عنه، ولكنه مع ذلك يقول كما في النبوات (ص5): ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قط مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم، ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها، كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم. اهـ
وقال رحمه الله في النبوات أيضاً (ص218): لا ريب أن الله خص الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أن من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء، بل النبي الواحد له آيات لم يأت بها غيره من الأنبياء كالعصا واليد لموسى، وفرق البحر فإن هذا لم يكن لغير موسى، وكانشقاق القمر والقرآن وتفجير الماء من بين الأصابع وغير ذلك من الآيات التي لم تكن لغير محمد من الأنبياء، وكالناقة التي لصالح فإن تلك الآية لم يكن مثلها لغيره، وهو خروج ناقة من الأرض، بخلاف إحياء الموتى، فانه اشترك فيه كثير من الأنبياء بل ومن الصالحين. اهـ
وكلام الإمام ابن تيمية رحمه الله قد يفهم منه عند أوَّل وهلة أنه يخص ما ذكر من المعجزات بالأنبياء، بل يخص بعضها ببعض الأنبياء دون بعض، وليس هذا مرادٌ قطعاً، فظهور معجزةٍ ما على يد نبي، لا يعني امتناع ظهورها على يد غيره من الأنبياء أو الأولياء، فلا يصح أن نقول إن خروج الناقة من بطن الصخرة معجزةٌ لا يصح أن تحدث لغير نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام.
تنبيه: الذين منعوا إطلاق القول بأن ما صح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي وقع الخلاف بينهم في أمورٍ كإحياء الموتى، فمنع بعضهم حدوث ذلك لغير الأنبياء، وأجازه آخرون كابن تيمية، قال رحمه الله في كتاب النبوات (ص 298):
وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى، فإن هؤلاء يقولون نحن إنما أحيى الله الموتى على أيدينا لاتباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى على أيدينا، فكان إحياء الموتى مستلزماً لتصديقه عيسى ومحمداً، لم يكن قط مع تكذيبهما فصار آية لنبوتهم.اهـ والصواب هو قول جمهور أهل السنة أن كرامات الأولياء لا تتقيد بنوع من الخوارق، لأننا إذا جوَّزنا خرق العادة في أمر، ومنعناه في أمر، فإما أن يكون عندنا حجة على التفريق بين عادةٍ وعادةٍ أوْ لا، ولا حجة على التفريق، والكل مقدور لله تعالى ابتداء، وكما أنه لا يد للنبي في المعجزات، فكذلك لا يد للولي في الكرامات، وإذا فهم هذا هان الخطب وسهل، إذ الأمر لا تعلق له بالولي إيجاداً وتأثيراً، وإنما هو متعلق بقدرة الله تعالى، ولا حدَّ لقدرته سبحانه وتعالى.
وإذا تأملنا في الكرامات التي ذكرها أهل السنة، وجدنا كثيراً منها من جنس معجزات الأنبياء، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
(1) تسليم الملائكة على عمران بن حصين، وقع للأنبياء.
(2) مباركة الطعام لأبي بكر رضي الله عنه، وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم.
(3) وما حدث لخبيب عندما كان يجد العنب وليس بمكة عنب، ووجود الدلو على رأس أم أيمن، يشبه إلى حدٍّ كبير المائدة التي أنزلها الله على نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم.
(4) وما حدث لعامر بن عبد قيس وسفينة مولى رسول الله من تسخير الأسد، وتسليم قيادها يشبه ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين جمله.
(5) وعلم عمر بحال (سارية) ومن معه من المسلمين وهو في المدينة، وهم ببلاد الشام، من جنس ما كشفه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من حال قافلة قريش، وإخباره عن بيت المقدس.
(6) وما حدث للعلاء الحضرمي من المشي هو ومن معه على الماء، يشبه مشي موسى عليه السلام بمن معه على قاع البحر، بل إن ما حدث للعلاء أعظم من حيث إنه مشى على الماء، ونبي الله موسى صلى الله عليه وسلم شق له البحر، ومشى على اليبس.
(7) وما حدث لأبي مسلم الخولاني رحمه الله من دخول النار فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، هو كما حدث لنبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وإذا تأملت أمكنك استخراج كثير من الكرامات هي من جنس ما وقع للأنبياء، فتقييد الكرامات بنوع دون نوع تحكمٌ لا دليل عليه، والقول بأن كرامات الأولياء لا تكون من جنس معجزات الأنبياء مصادم للحس بما ذكرناه سابقاً.
أنواع الكرامات كثيرة جداً، ونقتصر هنا على ما ذكره الإمام المحدث الفقيه الأصولي تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، حيث قال:
(وأخذ بعض المتأخرين يعدد أنواع الواقعات من الكرامات فجعلها عشرة، وهي أكثر من ذلك، وأنا أذكر ما عندي فيها:
النوع الأول: إحياء الموتى – وسبق كلامه - ....
النوع الثاني: كلام الموتى وهو أكثر من النوع قبله، وروى مثله عن أبى سعيد الخراز رضي الله عنه ، ثم عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ، وعن جماعة من آخرهم بعض مشايخ الشيخ الإمام الوالد رحمه الله ولست أسميه.
النوع الثالث: انفلاق البحر وجفافه والمشي على الماء، وكل ذلك كثير وقد اتفق مثله لشيخ الإسلام وسيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد.
النوع الرابع: انقلاب الأعيان، كما حكي أن الشيخ عيسى الهتار اليمنى أرسل إليه شخص مستهزئا به إناءين ممتلئين خمراً، فصب أحدهما فى الآخر وقال: بسم الله كلوا فأكلوا فإذا هو سمن لم ير مثل لونه وريحه، وقد أكثروا في ذكر نظير هذه الحكاية.
النوع الخامس: انزواء الأرض لهم بحيث حكوا أن بعض الأولياء كان فى جامع طرسوس، فاشتاق إلى زيارة الحرم، فأدخل رأسه فى جبته ثم أخرجه وهو في الحرم. والقدر المشترك من الحكايات فى هذا النوع بالغ مبلغ التواتر ولا ينكره إلا مباهت.
النوع السادس: كلام الجمادات والحيوانات، ولا شك فيه وفى كثرته، ومنه ما حكي أن إبراهيم بن أدهم جلس في طريق بيت المقدس تحت شجرة رمان، فقالت له يا أبا إسحاق أكرمني بأن تأكل مني شيئاً، قالت ذلك ثلاثاً، وكانت شجرة قصيرة. ورمانها حامضاً، فأكل منها رمانة فطالت وحلا رمانها، وحملت في العام مرتين، وسميت رمانة العابدين. وقال الشبلي: عقدت أني لا آكل إلا من حلال، فكنت أدور في البراري فرأيت شجرة تين فمددت يدي لآكل منها فنادتني الشجرة: احفظ عليك عقدك، ولا تأكل مني، فإني ليهودي فكففت يدي.
النوع السابع: إبراء العليل كما روي عن السري في حكاية الرجل الذي لقيه ببعض الجبال يبرئ الزمنى والعميان والمرضى. وكما حكي عن الشيخ عبد القادر أنه قال لصبى: مقعد مفلوج أعمى مجذوم قم بإذن الله فقام لا عاهة به.
النوع الثامن: طاعة الحيوانات لهم كما في حكاية الأسد مع أبى سعيد بن أبي الخير الميهني، وقبله إبراهيم الخواص، بل وطاعة الجمادات كما فى حكاية سلطان العلماء شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وقوله في واقعة الفرنج يا ريح خذيهم فأخذتهم.
النوع التاسع: طي الزمان.
النوع العاشر: نشر الزمان، وفي تقرير هذين القسمين عسرٌ على الأفهام، وتسليمه لأهله أولى بذي الإيمان، والحكايات فيهما كثيرة...الخ
وقد ذكر الإمام السبكي أنواعاً كثيرة، من أرادها فعليه بكتاب الطبقات. ويمكن أن يسهل فهم النوع التاسع والعاشر ما ذكره الإمام السبكي نفسه من طي الزمان فيعمل في الوقت القليل العمل الكثير.
النوع الحادي عشر: ما سُهِّلَ لكثير من العلماء من التصانيف في الزمن اليسير، بحيث وزع زمان تصنيفهم على زمان اشتغالهم بالعلم إلى أن ماتوا فوجد لا يفي به نسخاً، فضلاً عن التصنيف، وهذا قسم من نشر الزمان الذي قدمناه، فقد اتفق النقلة على أن عُمُرَ الشافعي / لا يفي بعشر ما أبرزه من التصانيف، مع ما يثبت عنه من تلاوة القرآن كل يوم ختمة بالتدبر، وفى رمضان كل يوم ختمتين كذلك، واشتغاله بالدرس، والفتاوى والذكر والفكر والأمراض التي كانت تعتوره، بحيث لم يخلُ رضي الله عنه من علة أو علتين أو أكثر، وربما اجتمع فيه ثلاثون مرضاً.
وكذلك إمام الحرمين أبو المعالي الجويني رحمه الله، حُسِبَ عُمُرُه وما صنفه مع ما كان يلقيه على الطلبة، ويُذَكِّرْ به في مجالس التذكير فوجد لا يفي به. وقرأ بعضهم ثماني ختمات في اليوم الواحد، وأمثال هذا كثير. وهذا الإمام الرباني الشيخ محيى الدين النووي رحمه الله، وُزِّعَ عُمُرُه على تصانيفه، فوجد أنه لو كان ينسخها فقط لما كفاها ذلك العمر، فضلاً عن كونه يصنفها، فضلاً عما كان يضمه إليها من أنواع العبادات وغيرها.
وهذا الشيخ الإمام الوالد رحمه الله إذا حُسِبَ ما كتبه من التصانيف مع ما كان يواظبه من العبادات، ويمليه من الفوائد، ويَذْكُرُه في الدروس من العلوم، ويكتبه على الفتاوى، ويتلوه من القرآن، ويشتغل به من المحاكمات، عرف أن عمره قطعاً لا يفي بثلث ذلك، فسبحان من يبارك لهم ويطوى لهم وينشر. اهـ
قال الإمام السبكي بعد أن ذكر أنواعاً كثيرة من الكرامات: وأظن أنواع كراماتهم تربو على المائة، وفيما أوردته دلالة على ما أهملته، ومَقْنَعٌ وبَلاغٌ لمن زالت عنه غفلته، وما من نوع من هذه الأنواع إلا وقد كثرت فيه الأقاصيص والروايات، وشاعت فيه الأخبار والحكايات، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولا بعد بيان الهدى إلا المحال، وليس للموفق غير التسليم، وسؤال ربه أن يلحقه بهؤلاء الصالحين.